شيخ محمد قوام الوشنوي
194
حياة النبي ( ص ) وسيرته
أقول : ومما قدّمناه من كلمات القوم ظهر أن الخلاف في المعراج واقع بينهم ، وانّ الأكثر منهم قائلون بعروجه ( ص ) بجسده الشريف ، والأقل منهم قد اختاروا خلافه ، لكن ظاهر عبارة التحفة ما يوهم عدم الخلاف ، ولذا نسب الخلاف إلى الإمامية وانّ أكثرهم قائلون بعدم عروجه ( ص ) بجسده الشريف ، مع أن الناظر فيما أسلفناه من كلماتهم يقطع بخلافهم في ذلك . وأمّا ما نسب إلى الإمامية بأنّ أكثرهم قائلون بعدم عروجه جسما ، فهو افتراء محض وبهتان عظيم ، لأن المسألة بين الإمامية من المسائل الاتفاقية ، وقول شرذمة قليلة ممن انتحلت إلى الشيعة ساقط عن الاعتبار ، لأنهم ليسوا من الإمامية ، فلذلك تبرأنا منهم كما تبرؤا منا . والذي أظن أن هذا الخلاف انّما نشأ من القوم بين بعض الفرق المنتحلة إلى الشيعة ، لأن الإمامية يأخذون معالم دينهم عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام ، وصاحب التحفة قد اعترف فيها بأن كتب الإمامية مشحونة من كلام الأئمة في ذلك يعني المعراج الجسماني ، ومع ذلك قال : وخالفت أكثر فرق الشيعة في هذه المسألة . سبحانك هذا بهتان عظيم . فاللازم ذكر بعض كلمات علمائنا الأعلام واخبارهم في ذلك ليتضح الأمر ويظهر افتراء صاحب التحفة وكذبه : روى محمد بن يعقوب الكليني في الكافي « 1 » بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : لمّا عرج برسول اللّه ( ص ) انتهى به جبرئيل إلى مكان فخلى عنه ، فقال له : يا جبرئيل أتخليني على هذه الحالة ؟ فقال : امضه فو اللّه لقد وطيت مكانا ما وطأ بشر وما مشى فيه بشر قبلك . وباسناده « 2 » أيضا عن علي بن أبي حمزة قال : سأل أبو بصير أبا عبد اللّه ( ع ) وأنا حاضر فقال : جعلت فداك كم عرج برسول اللّه ؟ فقال : مرتين ، فأوقفه جبرئيل موقفا فقال : مكانك يا محمد فلقد وقفت موقفا ما وقفه ملك قط ولا نبي . . . الخ . وروى رئيس المحدّثين محمد بن علي بن بابويه القمي المعروف بالصدوق في كتاب علل
--> ( 1 ) الكافي 1 / 367 . ( 2 ) الكافي 1 / 367 .